السيد عبد الله شبر

303

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

عَلَيْها » « 1 » . وأمّا العقاب على ترك الأوامر وارتكاب الخطيئات فليس ذلك من اللَّه غضباً وانتقاماً على نحو غضبنا وانتقامنا ، بل لاقتضاء حكمته الباهرة التي تعجز عنها العقول القاصرة ترتّب المسبّبات على الأسباب ، فخلق النفس الإنسانيّة على وجه تنجيها الفضائل وتهلكها الرذائل ، واللَّه تعالى غير عاجز عن الإشباع من غير أكل ، والإرواء من غير شرب ، وإنشاء الولد من غير وقاع ، ولكن قدّرها بالأسباب والمسبّبات ؛ لحكمة خفيّة لا يعلمها إلّااللَّه والراسخون في العلم . الخامس : أنّ تمثيلهم لتنعّم أهل النار بتلذّذ السمند « 2 » بالنار ، و [ أنّهم ] يتأذّون من الجنّة كما يتأذّى الجُعل برائحة الورد ، وأنّ النار دواءٌ لمعاصيهم كما تكون دواء لبعض أهل الدنيا ، أو أنّهم كحال النائم ونحو ذلك من هذه المزخرفات التي لم يقم عليها دليل ولا برهان ، ويضحك منها الإنس والجان ، بل مخالفة للبراهين القطعيّة من الآيات القرآنيّة والأخبار المعصوميّة . والفرق واضح بين الحيوان الذي يلتذّ بالذات والطبع بالقاذورات ، ويتأذّى من الطيّبات ، وبين الإنسان الذي اعتاد على التلذّذ بأنواع التنعّمات ، ويتأذّى بأنواع الأذيّات ، ويتألّم من كلّ مؤذ خصوصاً من نار الجحيم وعذاب الحميم ، وكيف يتصوّر فيمن يعذّب بأشدّ العذاب ويعاقب بأعظم أنواع العقاب ، ويستغيث فلا يغاث ، ويستجير فلا يجار ، وينادي بالويل والثبور ، ويتمنّى الموت وما هو بميّت ، ويريد الخروج وما هو بخارج من النار ، ويطلب الخلاص وليس بخالص من عذاب المنتقم الجبّار ، أن يصير بعد استيلاء العقاب عليه بقدر زمان عصيانه بلا فاصلة ، معتاداً إلفاً إلى تلك النار ، متلذّذاً بها مع عدم فصل زمان بين التنعّم والعذاب ؟ ما هذا إلّاأمر محال ، ومجرّد وهم وخيال ، ولاسيّما مع قصر زمن العقاب ، لقصر عمره ومعصيته وكفره بربّ الأرباب .

--> ( 1 ) . يونس ( 10 ) : 108 . ( 2 ) . السمند : طائر يكثر وجوده في الهند ، يقال : إنّه لا يحترق بالنار . انظر : حياة الحيوان ، ج 2 ، ص 45 - 46 .